الجمعة، أكتوبر ٢٣، ٢٠٠٩

بريد الجمعه 23/10/2009

Bookmark and Share





بريد الجمعة 23 اكتوبر 2009 --- يكتبه خيري رمضان

المنحرفــــــون


أكتب اليك رسالتي من غرفة مظلمة هي سجني وكل حياتي‏,‏ دخلتها ولم أغادرها منذ اسبوعين‏.‏ يقتلني بكاء أمي وتوسلات شقيقتي‏,‏ اللتين لاتفهمان سر ما أنا فيه‏,‏ ولا استطيع أن أواجههما بما أنا فيه‏.‏ ليست هذه المرة الأولي التي أحبس فيها نفسي في غرفتي‏,‏ بل سبقتها مرات عديدة‏..‏ حاولت معها وتمنيت الموت والانتحار والهروب ولكني كنت أفشل فأستسلم لما أنا فيه‏,‏ حتي أشعر بالمهانة فأحاول مرة أخري‏.‏ سيدي‏..‏ أجد حرجا شديدا في الكشف عن مأساة حياتي‏,‏ كتبت عشرات المرات ومزقت الأوراق‏,‏ فما أصعب أن تري عارك وعار أسرتك علي الورق يصمك بأبشع الصفات‏,‏ فتري آخرتك وأنت في النار فتفقد كل دوافع ومبررات وجودك‏.‏

أعرف اني كلما حاولت الاقتراب ابتعد‏,‏ فسامحني وتحملني لأن الأمر صعب ومقزز‏,‏ لذا سأحاول أن أبدأ معك منذ البداية لعلي أفلح‏.‏ ولدت لأسرة راقية ومحترمة‏,‏ فأبي ـ رحمه الله ـ كان يشغل منصبا مرموقا‏,‏ فرح بمولدي فرحا كبيرا فقد جئت بعد سنوات طويلة من ميلاد شقيقتي الوحيدة‏,‏ لذا لقيت في سني عمري الأولي كل الاهتمام والرعاية‏.‏ عشت السنوات الأولي من عمري في قمة السعادة‏,‏ من تدليل وحب وأشياء أخري ظلت مغروسة في نفسي لا تفارقني جذورها‏.‏ ولكن القدر كان يخبئ لنا شيئا آخر‏,‏ حزنا أكبر‏,‏ وكأنها حلقة متصلة‏,‏ إذا انقطعت حلقة تفككت الدائرة المترابطة‏.‏

ذات مساء‏,‏ انقلب البيت الهادئ‏,‏ اذكر هذه الليلة جيدا‏,‏ لا تغادر ذاكرتي‏..‏ عمري لم يكن يتجاوز التاسعة‏,‏ أفقت علي صراخ وعويل وفوضي في البيت‏..‏ لم أفهم للوهلة الأولي لماذا تصرخ أمي‏,‏ ولا لماذا سقطت شقيقتي علي الأرض‏,‏ ولا من هم هؤلاء الرجال والنساء الذين تزاحموا داخل شقتنا‏...‏ بشر لا أعرفهم يحاولون احتضاني رغما عني‏,‏ بعضهم يحاول إدخالي إلي غرفتي‏..‏ بكيت وأنا لا أفهم لماذا أبكي‏..‏ عرفت بعدها أني أصبحت يتيما‏,‏ مات أبي‏,‏ مات وهو يعبر الطريق‏,‏ صدمته سيارة مسرعة‏,‏ وتركه قائدها يموت نازفا‏,‏ وهو لايدري أن بموت هذا الأب ستنهار حياة أسرة بالكامل وسيتسبب في تدمير حياة طفل مثلي‏.‏

كان موت أبي ـ يا سيدي ـ هو بداية مأساتي‏,‏ فالطريقة الخاطفة والمؤلمة التي مات بها أصابت أمي بفزع دائم وجعلتها تدخلني سجنا كبيرا لم أخرج منه حتي الآن‏.‏ أصبحت أمي تري الموت حولي في كل مكان‏,‏ وكأن ملكه ينتظرني حتي ينقض علي‏,‏ فلا خروج وحدي‏,‏ تنتظرني حتي باب المدرسة‏,‏ لا تتركني إلا وأنا في الاتوبيس مع زملائي‏,‏ تجلس علي رأسي حتي أنام‏.‏ لم يكن تدليلا بقدر ما كان خوفا وفزعا تسلل إلي نفسي وروحي وجعلني أشعر بمعني كلمة يتيم‏...‏ هذا الاهتمام لم يكن منصبا علي أختي الكبري مثلما نلت منه النصيب الأكبر لأن أمي كانت مشفقة علي لأني معشتش الدلع ولا الحنان اللي شافته أختي‏.‏ بهذه المقدمة الطويلة أردت فقط أن أكشف لك عن تركيبتي النفسية الهشة‏,‏ عن طفولتي المغتالة‏,‏ عن عدم إحساسي المبكر برجولتي‏,‏ فكانت شخصيتي الوديعة المنكسرة تميل الي البنات أكثر منها إلي الأولاد‏,‏ مما زاد من انطوائي وابتعادي عن زملائي‏.‏

مرت ثلاث سنوات علي هذه الفترة العصيبة‏,‏ وقتها تقدم الي أختي عريس من محافظة بعيدة عن مدينتنا‏,‏ وكان هذا العريس لطيفا‏,‏ اكتسب حب أختي وأمي بسرعة كبيرة‏,‏ كما تقرب الي واهتم بي وأصبح حريصا علي الحوار معي‏..‏ بعد فترة من الخطوبة عرضت عليه أمي أن يبيت عندنا حتي لايعود الي مدينته في وقت متأخر مستندة ـ كما قالت أمامنا ـ أن في البيت رجلا‏,‏ والطبيعي أن يبيت هذا العريس معي في حجرتي‏.‏ اعذرني‏,‏ أنا أبكي الآن عندما استعيد تلك اللحظة التي أمقتها‏,‏ أراها كأنها حدثت بالأمس‏,‏ أفكر في التوقف عن الكتابة الآن‏,‏ هل أمزق أوراقي كما فعلت كثيرا من قبل‏,‏ لا سأواصل‏,‏ فأنا أريد التحدث لأول مرة وآخر مرة‏,‏ أنا أريد المساعدة‏,‏ النجاة‏,‏ فاغفر لي وقراؤك أي كلمات جارحة أو مهينة‏,‏ فهذا الإحساس المؤلم ملازم لي طوال الوقت فتحملوني قليلا‏.‏

في هذه الليلة البغيضة‏,‏ نام بجواري في فراشي‏,‏ خطيب شقيقتي احتضنني‏,‏ طبطب علي‏,‏ أصابعه حنت علي جسدي فشعرت بسعادة واطمئنان حتي خلته في لحظات كأنه أبي‏,‏ قال لي لاتخف أنا أحبك وسأجعلك سعيدا‏,‏ فعل معي أشياء غريبة‏,‏ لم أفهمها ولم أعترض عليها‏,‏ كل ما أحسست به هو أمان ما لم أعرفه أو أحسه من قبل ولا أعرف أنه خطأ بل جريمة‏,‏ ما استوقفني وانا لم أناقشه هو انه طلب مني أن يظل ماحدث سرا بيننا‏,‏ انت كبير ولازم نكون أصحاب وما يحدث بيننا يجب ان يكون سرا وهذا اختبار لصداقتنا‏,‏ كنت عند حسن ظنه ولم أبح بما حدث لأحد‏,‏ فلم تكن أمي تتحدث معي في أي شيء سوي الدراسة‏,‏ كل ما يشغلها هو تفوقي وكنت أفعل‏.‏

ما حدث معي في تلك الليلة‏,‏ تكرر مرات عديدة في كل زيارة كان يأتي فيها العريس إلينا‏,‏ لا أخفيك كنت أنتظره وأفتقد حضنه وذلك الاحساس الخفي بأنه أبي‏,‏ لذلك لم يفهم أحد في البيت لماذا انهرت بالبكاء عندما حدثت مشكلات أدت الي فسخ الخطبة وانسحاب العريس‏,‏ كان حزني أكبر بكثير من حزن شقيقتي وأمي‏.‏ عشت شهورا عديدة متألما أشعر بالوحدة والفزع حتي انتقلت الي المرحلة الاعدادية‏,‏ ولأن أمي حريصة علي تفوقي اختارت لي مدرسا شهيرا‏,‏ واشترطت ان يعطيني درسا خاصا بمفردي حتي يتفرغ لي ويتقن تعليمي‏,‏ ولأن هذا المدرس لايذهب للتلاميذ في بيوتهم‏,‏ فكانت أمي تصطحبني مرتين في الاسبوع اليه في شقته‏,‏ وتنتظرني أو تقضي بعض المشاوير ثم تعود لتأخذني‏,‏

بعد حصص قليلة حدث ما يمكن توقعه‏,‏ بدأ هذا المدرس يتلمس جسدي‏,‏ يدللني وكأنه يتأكد مني‏..‏ كنت فريسة سهلة مهزومة صامتة‏,‏ ظللت مع هذا المدرس سنوات حتي أدركت ما أنا فيه‏,‏ نعم أنا منحرف‏,‏ غير طبيعي‏..‏ كرهت نفسي وكرهت أمي‏,‏ ولكني كنت قد فقدت أي قدرة علي المقاومة أو الانسحاب‏,‏ فأنا وكما قلت لك من قبل بلا أي شخصية‏,‏ بدأت أقرأ حول هذا الموضوع وعرفت اني شخص منبوذ وأن عقابي سيكون جهنم‏,‏ فزعت وامتنعت وحاولت الانتحار ولكن إرادة الله كانت غير ذلك‏.‏

تزوجت شقيقتي‏,‏ ونجحت بتفوق في الثانوية العامة كما أرادت أمي‏,‏ والتحقت بكلية الطب‏,‏ وفي الكلية دخلت في معاناة أخري‏..‏

يبدو أن هناك ملامح لمن هم مثلي‏,‏ فقد تقرب مني آخرون يشبهونني‏,‏ حرضوني وأغروني‏,‏ قاومت ولكن في النهاية ضعفت‏,‏ ودخلت الي دائرة السقوط التي لاتنتهي‏.‏

سيدي‏...‏ تعبت‏,‏ لا أريد مواصلة الحديث كل ما أريد قوله إني مريض‏,‏ سعيت الي العلاج ولكني فشلت‏,‏ لايوجد لدينا أطباء متخصصون‏,‏ ألزمت نفسي بالصلاة في المساجد‏,‏ اعتزلت الجامعة أسابيع متصلة‏,‏ أهملت في مظهري‏,‏ أطلقت لحيتي‏,‏ ولكن ما أن أعود إلي الجامعة حتي أسقط مرة أخري‏,‏ قطعت شراييني وانقذتني أمي‏..‏ تقودني أقدامي الي من هم مثلي‏,‏ تجمعات معروفة في وسط المدينة أو علي كوبري قصر النيل‏..‏ أتعرض أحيانا للضرب والسرقة‏.‏

سيدي‏..‏ أكتب اليك الآن بعد القضية التي أساءت الي بعض فنانينا وتناولتها وسائل الإعلام‏.‏

*‏ سيدي‏..‏ أدمتني رسالتك‏,‏ وترددت طويلا في نشرها‏,‏ فمنذ توليت مسئولية هذا الباب وأنا لا أفضل نشر مثل هذه الرسائل‏,‏ وأختار الردود السريعة أو الاتصال المباشر‏..‏ ولكن هذه المرة فرضت علي رسالتك اللجوء الي النشر لانها تشير الي نقاط خلل كبيرة في أساليب التربية‏,‏ والي شريحة من المنحرفين سلوكيا غير راضية عن وضعها وتبحث عن علاج‏,‏ وليتها تكون فرصة للبحث لدي المتخصصين عن علاج ينجي من هم مثلك من عذاب الدنيا والآخرة‏.‏

عودة إلي ما تضمنته رسالتك من اسلوب تربية خاطئ اتبعته معك والدتك بزعم الخوف أو القلق أو التدليل‏,‏ هذا الاسلوب الذي ينتج شخصية مشوهة‏,‏ ضعيفة‏,‏ ليس لديها استقلالية أو فهم‏.‏

فالحرص الشديد المبالغ فيه يفرز شخصية انطوائية غير قادرة علي المواجهة‏,‏ تسلب الطفل حقه في البوح أو الاعتراف‏,‏ القبول أو الرفض‏.‏

أيضا يجب علي الآباء ان يفهموا أبناءهم معني وقدسية الجسد ووظائف أعضائه ودورها‏,‏ فالخجل أحيانا من تعريف أبنائنا بأجسادهم وما هو المسموح والممنوع يعرضهم لمثل تلك المخاطر‏,‏ هذا الجهل هو الذي جعلك لاتفهم ما يفعله معك خطيب اختك‏,‏ فاستغل جهلك وخوفك واحتياجك للحنان الأبوي‏,‏ متجردا من كل المشاعر الانسانية‏,‏ مرضيا حيوانيته فجذبك الي مستنقع صعب عليك الخروج منه حتي الآن‏.‏

فرقوا بين الأبناء في المضاجع هكذا أمرنا رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ولكن والدتك وبحسن نية قد قبلت ان تنام يجوار شخص غريب‏.‏

وهذا أمر مرفوض‏,‏ فالثقة لا تعني التفريط أو المجازفة‏,‏ والأمر الشاذ الذي يجب الاحتياط منه حتي لا يصبح أحد أبنائنا هو النموذج له‏.‏

علموا أبناءكم ـ ذكورا وإناثا ـ أن أجسادهم مقدسة مصانة لايجوز لأحد لمسها‏,‏ علموهم كيف يعترفون لكم بكل ما يتعرضون له دون خوف من عقاب‏.‏

أيضا لايجوز السماح لمدرس ـ مع الاحترام لكل المدرسين وعدم أخذهم بجريرة نموذج فاسد ـ بالاختلاء مع تلميذة أو تلميذ‏,‏ فالدرس يجب أن يكون تحت عين الآباء‏.‏

سيدي‏..‏ أحس بصدق كلماتك ورغبتك الحقيقية في النجاة‏,‏ وستنجو إذا دخل الإيمان قلبك وابتعدت قصرا عن كل الظروف التي تدفعك الي هذا المسلك‏,‏ تحمل عذابك‏,‏ وعندما تشعر بضعفك لا تخلد الي وحدتك وشيطانك‏,‏ استعن بأمك أو اذهب الي المسجد‏,‏ غير أصدقاءك والمحيطين بك‏,‏ وبعد فترة ستشعر بأنك تعود الي طبيعتك‏,‏ كل هذا حتي يتبين لنا ما هو العلاج العلمي لمثل حالتك‏,‏ فالأمر الآن بين أيدي أطبائنا النفسيين‏,‏ حماك الله وغفر لك وأعانك علي ضعفك وشيطانك وشياطين الانس من حولك‏.‏

----------------------------------------------------------------

حقـي يا ابنتـــي‏!‏


أنا أم لثلاثة أولاد وبنت واحدة وكنت أقيم في احدي مدن الدلتا وكنت أعمل بالتعليم واشتهرت بين زملائي بالحكمة والحزم‏,‏ حتي إن زميلاتي كلهن كن ينادينني أبلة من واقع الاحترام والتقدير ويستشرنني في كل مشاكلهن وأمورهن‏,‏ وقد قرأت قصة الأم بعنوان سامحيني يا ابنتي والتي تشعر فيها الأم بتأنيب الضمير‏,‏ لأنها سعت في تطليق ابنتها من زوجها الذي كان يذكر الأم بزوجها السابق‏,‏ والذي أرادت الانتقام منه في شخص زوج ابنتها وأنا أختلف عن هذه الأم في أنني لا يؤنبني ضميري لسعيي في طلاق ابنتي لشعوري أن ذلك هو الحل لمعاناتها‏.‏

وقصتنا تبدأ بعد وفاة زوجي وزوجها في حادث سيارة بعد زواجهما بسنوات قليلة‏,‏ وبعد انجابها لولدين وابنة انتقلت بعدها للاقامة معي بعد زواج أولادي في شقتي‏,‏ وساهمنا معا في تربية أولادها‏,‏ وظلت معي بدون زواج حتي كبروا وتزوج اثنان منهما‏,‏ والثالثة في نهاية فترة التعليم بعد تأخرها قليلا‏,‏ وبدأت مشكلة ابنتي بعد أن جاءها خاطب من أصدقاء ابني وافق عليه ابني علي الفور لعلاقة عمل بينهما‏,‏ وأحسست أن ابنتي اختطفت مني وكان زوجها قد سبق له الزواج وطلق زوجته منذ سنين وتولي الانفاق علي أولاده منها‏.‏ والمشكلة انه يعمل بمدينة في أقصي الصعيد ولا يمكنه تركها في الوقت الحاضر لظروفه الخاصة كما يقول‏.‏ وكانت ابنتي تسافر اليه لشهرين أو ثلاثة كل عدة شهور‏,‏ وتتركني أنا والأولاد حتي تعود‏.‏ ولما تكرر ذلك ثقل الحمل علي خاصة وأنا في سن المعاش‏.‏ ثم جاءتني ابنتي تشكو من انفاق زوجها الكثير علي أولاده‏.‏ فشعرت في داخلي ان في إمكاني استعادة ابنتي‏.‏ ونصحتها في البداية بالتروي‏,‏ ولكن في نفس الوقت كنت أزين لها البقاء معي بكل طريقة‏,‏ وذكرت لها حديث الرسول الذي رد أحد الذين جاءوه للجهاد ليعتني بأبويه ويبرهما‏.‏ كما كنت أبين لها قلة ما يقدمه
زوجها لها بالمقارنة بأولاده‏.‏ حتي تغيرت ابنتي من ناحية زوجها‏,‏ وفضلت البقاء معنا‏,‏ وبخاصة أنها رأت ان احتياجي لها قد زاد لتقدم عمري‏.‏ وقد سعدت باختيار ابنتي هذا للغاية‏,‏ ولما حاول زوجها الاصلاح بينهما صددناه أنا وابنتي وأولادي بقوة حتي يئس من استعادتها فطلقها بعد شهور لتعود الي أحضاني مرة أخري‏.‏

وكنت أري أن ابنتي كثيرة الشرود‏,‏ وتحاول أن تظهر التماسك أمامي‏,‏ ولكنها كانت أحيانا تبكي عندما تكون وحيدة ولكني أري أن هذه مرحلة ستمر‏,‏ وأن كل شيء سيعود لسابق عهده بيننا‏,‏ وبخاصة أن البيت كاد يكون خاليا الآن فإذا تركتني ابنتي بقيت أعاني الوحدة بقية عمري‏,‏ أما زوجها فيمكنه أن يتزوج غيرها‏.‏

ولذلك فإن ضميري مستريح‏,‏ وأنني علي حق فيما فعلت‏,‏ وأنه وإن بدا قاسيا فإنه كان الحل الأمثل لمعاناة ابنتي بين زوجها وبيننا وإن الطلاق قد يكون هو أحد السبل للراحة في الحياة‏.‏ وأنا أري أنه من حقي أن تعتني هي بي كما اعتنيت بها وبأطفالها من قبل‏.‏

*‏ لا يا سيدتي ليس حقك أن تطلقي زوجة هانئة ومستقرة‏,‏ لأن في هذا الطلاق راحتك واطمئنانك‏,‏ ولو كل أم فكرت بهذه الطريقة ما تزوجت ابنة ولا استقرت في بيتها‏.‏ أراك تحاولين إراحة ضميرك وأستشعر إحساسك بالندم‏,‏ ولكنك تحاولين إخفاء ذلك وراء حكمتك القديمة‏.‏ ذنب كبير يا أمي تحريض زوجة علي زوجها ودفعها للتطليق منه‏,‏ خاصة أن عيوبه عادية وحرصه عليها كان واضحا‏.‏ كل ما أخشاه أن تلومك ابنتك أو تحمل في داخلها غضبا تجاهك‏,‏ لذا أتمني أن تواجهيها وتعترفي لها بأنانيتك في اتخاذ القرار‏,‏ وليتك تحاولين إصلاح ما أفسدته‏,‏ وتنظيم حياتكم بصورة لا تجعلك وحيدة في أثناء غيابها معه‏,‏ لقد اخترت العنصر الأضعف‏,‏ ولم تفكري في فعل ذلك مع ابنك‏,‏ فراجعي نفسك وليغفر لنا الله جميعا أخطاءنا‏!‏

----------------------------------------------------------------

همس الأصدقاء

قرأت رسالة‏(‏ النظرة الدونية‏)‏ لقارئة احترمت وحددت فكرها بطريقة جيدة جدا‏,‏ خريجة صيدلة حلمها البيت والزواج والأولاد‏..‏ قررت أنها لو تزوجت فستتفرغ لبيتها‏,‏ لزوجها وتنهي مسئوليات المنزل قبل قدومه‏..‏ رزقت بطفلين‏,‏ لم تستقل من عملها بناء علي رغبة والديها ولنظرة المجتمع‏.‏ اكتفت بإجازة من عملها‏..‏ ما المشكلة في ذلك لاشيء علي الإطلاق‏.‏ بدأ المجتمع الظالم يطاردها فهي حسبهم كسولة‏,‏ دلوعة والكل يحثونها علي العودة إلي العمل ويستهزئون بها وظل السؤال‏(‏ أنت عملت في نفسك كده ليه؟‏).‏

تذكرت كلمات‏(‏ فرجينيا وولف‏)‏ في حديثها عن النساء المبدعات‏:‏ كمبدعات نحتاج إلي فضاء خاص‏,‏ غرفة صامتة‏,‏ نطالب بأن يترك للمرأة وقت للإبداع‏,‏ تغلق فيه الباب علي نفسها لتنفرد بأفكارها وإبداعاتها‏.‏ حسنا ولكن لماذا لايريد المجتمع أن يعطي الفرصة نفسها لإنسانة ارادت أن تبدع في بيتها‏..‏ تتفرغ لزوجها وتعطيه مايتمني وما عله لايدرك أنه قد يتمناه ويناله‏,‏ ونفس الكلام لها أيضا‏..‏ تعيش هدوء النفس مع نفسها ومعه والابناء‏.‏ بيتها مملكتها‏..‏ الملكة تحنو إلي رعاياها وتنظم لهم حياتهم وتفكر معهم ولهم‏..‏ تراقب وتتدخل في الوقت المناسب لتغير بعض الملامح‏..‏ فضجيج العمل واستفزازاته قد لايسمحان بذلك‏.‏

أدرك أن للعمل أهمية كبري تكسب المرء خبرات أهمها كيف يعامل الآخرين ويطلع علي فكرهم ويأمن شرهم ويستظل بخيرهم‏..‏ ولكن إذا أرادت المرأة أن تستأثر ببيتها وتجعله فضاءها الخالص وتبدع فيه وتجدد أفكارها‏,‏ اعتقد أنها سوف تكون في مكانة يحسدها عليها الآخرون‏.‏ أقسم بأنني اشفق علي المرأة العاملة‏,‏ فمنظومة البيت والزوج والأولاد رهيبة أضف إلي ذلك العمل الذي لايرحم شئ لايطاق لمن لاتبتغي إلا النجاح والنجاح فقط‏,‏ تكون كل الأمور مسلطة علي أعصابها ومرهقة لجسدها وإن أجادت في جزء حتما ستقصر في جزء آخر‏,‏ لأن إدراك الكمال في كل الأمور ضرب من الخيال‏..‏ كمال هنا‏..‏ ونقصان هناك‏!‏

فهل يتفهم المجتمع والزوج والأبناء هذه المتطلبات التي تحتاجها المرأة؟ وكلنا يدرك تراجع دور المرأة في الأسرة في وقتنا الراهن‏,‏ بعد كل المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العامة التي تمر بها المجتمعات الحديثة‏.‏ تراجع دور الأم درجات عدة‏,‏ خاصة إذا مانظرنا إلي حالة المرأة العاملة‏(‏ الأم‏)‏ علي الرغم من أن هذا لايشكك في مصداقيتها‏,‏ ولكن يجب أن ننظر إلي دور الأم بشكل عام وإلي الانقلاب الذي تتعرض له بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية وخلفية التعليم والثقافة‏,‏ وإذا ماعقدنا مقارنة بين صورتين للواقع حديثا وقديما نجد أن الأم حاليا بشكل عام إما أنها تنازلت عن مهام كانت من صميم أدوارها ومسئوليتها‏,‏ وإما أنها أجبرت نتيجة ظروف اقتصادية أو اجتماعية قاهرة علي ذلك التنازل‏,‏ أو تنحت عن دورها طوعا نتيجة افتراضات خاطئة‏,‏ فقايضت دورها بمؤسسات أخري مثل جهاز التليفزيون أو الكمبيوتر أو النادي أو الشلة أو المربية حيث يحدث نوع من الصراع النفسي والعاطفي‏.‏

لذلك أتساءل وبحزن شديد لماذا هذه النظرة الدونية لمن أرادت أن تضع الأمور في نصابها‏..‏ وتعلي من قيمة المرأة واحترام أنوثتها‏,‏ وذلك بإيثار الهدوء والتركيز في‏(‏ البيت‏)‏ علي الضجيج الصاخب والشتات خارجه؟

أعتقد أنه يجب علي كل من يعرف هذه السيدة أن يهنئها علي ماهي فيه‏!‏ وأقول لها نعم‏,‏ لاقيمة إلا بالعمل وانت بالفعل تقومين بخير عمل‏,‏ عمل حقيقي داخل بيتك لا وهمي خارجه وأهديك‏(‏ نظرة احترام وتقدير‏)‏ بدلا من تلك التي تزعجك‏(‏ فالنظرة الدونية‏)‏ تحتاجها من تترك مملكتها دون داع للبحث عن وهم وخداع وسراب خارج مملكتها‏..‏ البيت‏,‏ وهي لاتحتاج لذلك الخروج‏.‏ ويجب ان تفرحي بنصيبك من التعليم وتزيني جدران مملكتك بشهاداتك العلمية‏,‏ وليفخر الزوج والأبناء بالدكتورة الصيدلانية التي تفرغت لهم‏.‏
محمد حلمي السلاب
‏Mhsallab65@yahoo.com

Three Column Modification courtesy of The Blogger Guide