الجمعة، ديسمبر ١٨، ٢٠٠٩

بريد الجمعه 18/12/2009

Bookmark and Share






بريد الجمعة 18 ديسمبر 2009 --- يكتبه خيري رمضان

قلب يحـيي


دوخيني يالمونة‏..‏ دوخيني ياللاتاني
والصباح في جبين حبيبي‏..‏ مبقاش يغطيه الندي

والسما مبقتش موردة‏..‏ وايه بإيدي راح أعمله
وكل شيء آخره كده‏..‏ ألقي لحظة موته وقت ما ألقاه ابتدا‏.‏

بهذه الكلمات المبعثرة أكتب إليك ياسيدي بعد أن أظلمت خيالاتي‏,‏ وضاعت مفاتيحي‏,‏ ودق اليأس بابي وأنا في عمر الزهور‏..‏ أنا الطبيبة التي تخفف آلام الناس‏,‏ وتسعف المصابين أشعر بآلامهم‏,‏ وأعيش معاناتهم‏..‏ اليوم حطم الألم قلبي‏,‏ وإن اختلطت الأفراح عندي بالأحزان‏,‏ غير أنني أستطيع أن أتحمل كل الآلام وجميع الأحزان‏..‏ إذا كان الأمر يتعلق بي‏,‏ لكنني قطعا لا أستطيع ولا أحتمل أن تكون هذه الآلام لطفلي الوحيد الذي يبلغ من العمر عشرين يوما‏.‏نعم عشرين يوما‏..‏ فلا تستغرب ياسيدي‏

فقد مرت علي كأنها عشرون سنة‏,‏ وضعت وليدي ليلة وقفة عيد الأضحي المبارك‏,‏ فكانت الفرحة فرحتين‏,‏ وحلقت في السماء من السعادة‏,‏ وحلمت للحظات بحياة سعيدة هادئة مع زوجي الذي يجمع بيننا الحب والوفاء والإخلاص‏,‏ ولم أدرك أن القدر يخبئ لي معاناة ثقيلة العيار عندما أخذوا وليدي يحيي إلي الحضانة وحاول الأهل والأصدقاء تخفيف ذلك علي بأنه قد يكون إجراء عاديا وطبيعيا في بعض الأحيان‏,‏ وفي اليوم الثاني للولادة اكتشفت ما لا تتحمله أم‏,‏ اكتشفت أن وليدي يحيي يعاني من عيب خلقي بالقلب عبارة عن انعكاس في الشرايين الرئيسية للقلب

ولأن لله في قضائه رحمة يوجد كذلك ثقبان في القلب يؤكد الأطباء أن هذين الثقبين هما سبب استمرار الحياة لابني في ظل هذا الانعكاس في الشرايين‏,‏ ودخلنا ياسيدي في دوامة من الأشعات والتحاليل لطفل يبلغ من العمر يومين‏.‏ وأنا ألملم خلفه ما تبقي لأم ما لبثت أن وضعت وليدها راضية صابرة‏..‏ كلي أمل في الله الذي وضع الجنة تحت أقدام الأمهات‏,‏ وبدأت تظهر أعراض ذلك المرض علي يحيي ابن الأيام الأربعة من حالات اختناق وصعوبة في الرضاعة مع قلة الأكسجين لكل أعضاء الجسم‏.‏

أنظر إلي ابني ولا أستطيع هذه المرة أن أكتب له علاجا‏,‏ بل لا أستطيع أن أداوي نفسي‏,‏ أو أمنع حزني عليه‏,‏ أو أكتم ألمي وأنيني‏..‏ بدأت رحلة الآلام‏,‏ وانتقلت بـيحيي من المستشفي الصغير إلي مستشفي آخر كبير ذي صيت وسمعة‏,‏ ثم إلي مستشفيات العاصمة‏,‏ وكان لابد من إجراء عملية قسطرة بالبالون لابني حتي تستمر الحياة انتظارا إلي العملية الكبري لـيحيي الذي يبلغ من العمر الآن عشرين يوما

وهي عملية تحويل الشرايين الرئيسية للقلب المعروفة طبيا باسم الـ‏T.G.A,‏ وقد أوصي كل الأطباء الذين فحصوا يحيي بضرورة إجراء هذه العملية قبل مرور شهر من ميلاده‏.‏

وبدأت مع يحيي قصة توهان كبري تاني من العرض علي لجنة القلب في مستشفي أبو الريش التي قررت تحويلي إلي مستشفي الدمرداش الجامعي مرة ثانية‏,‏ وهو المستشفي الذي تم إجراء عملية القسطرة فيه‏,‏ وكل طبيب ينظر إلي التحويل أو الأشعة والتقرير ينظر إلينا أنا وابني في تهكم‏:‏ مين قال‏.‏

إن العملية دي بتتعمل في مصر؟‏!,‏ فإذا قلت فلان قال في تهكم أكثر‏:‏ روحي له‏,‏ كل ذلك وأنا تاركة بيتي وأهلي في مدينتي الساحلية وقابعة بآلامي وأحزاني مع ابني عند بعض الأقارب في العاصمة‏,‏ لأتجرع حزني علي ابني وعلي مهنتي التي لم تنقذ فلذة كبدي‏,‏ وعلي زملائي الذين ينظرون إلي كل الأمور بالغة الإنسانية بكل السطحية‏.‏

سيدي‏..‏ لم يبق أمام يحيي أمليوفرحة والده الأولي سوي عشرة أيام‏,‏ وتلك المدة هي التي حددها مساعد الجراح العالمي مجدي يعقوب‏,‏ حيث قال إن هذه الجراحة لا تتم إلا في مركز الدكتور مجدي في أسوان‏,‏ ولكن بالمركز إصلاحات الآن ولن يكون جاهزا قبل‏5‏ يناير‏,‏ يعني بعد فوات الأوان‏,‏ ولايوجد مكان آخر لإجراء مثل هذه الجراحة سوي مدينة الملك فهد الطبية بالمملكة العربية السعودية‏..‏ حاولنا الاتصال بالمدينة عبر الإنترنت وفشلنا فشلا ذريعا‏.‏

كل يوم يمر يصيبنا بالفزع والإحساس بالعجز والفشل‏,‏ وجه رضيعي وهو يختنق ويتلون أمام عيني يقتلني‏,‏ نظرة عينيه تشعرني بأني قاتلة فرحتي بيدي‏..‏ لن أسامح نفسي ولا الطب والاطباء إذا مات ابني‏,‏ لأني فشلت في إنقاذه‏..‏ سأبيع كل ما أملك لإكمال قيمة الجراحة التي تصل الي ما يقرب من‏25‏ ألف دولار‏,‏ لا يهم شيء‏,‏ أرجوكم ساعدوني في الوصول الي السعودية قبل فوات الأوان‏.‏

*‏ سيدتي‏..‏ للاسبوع الثالث علي التوالي أجد نفسي أمام مأساة طبية تكشف ما وصلنا اليه من تدهور في أوضاعنا الطبية‏..‏ فلا يليق أبدا بمصر هذه الفوضي في التشخيص وغياب بروتوكول علاج موحد يسير عليه الأطباء‏,‏ وها أنت كطبيبة تلمسين وتعانين مما يعانيه الملايين في مصر‏.‏

نعم سيدتي المشكلة ليست في توفير مبلغ هذه العملية الخطيرة التي ستعيد طفلا الي الحياة‏,‏ قد لا يكون فقط قرة عين والديه وأسرته‏,‏ وإنما قد يصبح يوما عالما أو صالحا يفيد البشرية‏,‏ وعلينا أن نسعي وصولا إلي قضاء الله الذي لامناص منه‏.‏

ليس أمامي سيدتي سوي مناشدة الوزير المثقف الكبير‏,‏ الإنسان الدكتور هشام الناظر سفير المملكة العربية السعودية في مصر‏,‏ وأملي أن يمد يده الكريمة ليسهل لك الاتصال بمدينة الملك فهد الطبية وإجراءات سفرك مع وحيدك في أسرع وقت‏,‏ ولا أستبعد علي الله أن يعلم بأمرك أحد رجالات السعودية الكرام وما أكثرهم لإغاثة أم ملهوفة علي طفلها الوحيد‏..‏ عليك بالدعاء وعلينا السعي والتوفيق من عند الله‏.‏
-----------------------------------------

الشكر لله

هو الذي يستحق الشكر من قبل ومن بعد كل شيء‏..‏ الشكر لله لأنه يثبت إيماننا دائما بهذا الوطن الغني بأبنائه‏..‏ الشكر لله لأنه ملأ قلوبكم بكل هذا الخير والحب والعطاء والكرم‏,‏ أكرمكم الله جميعا وزادكم من فضله ورزقه‏.‏

ما إن نشرت قصة لحم الفقراء الأسبوع الماضي‏,‏ وحتي هذه اللحظات‏,‏ لم يتوقف سيل الاتصالات والتبرعات والرغبة في زيارة الشاب صاحب الرسالة‏..‏ رجال أعمال شرفاء مسيحيون ومسلمين يعلنون عن رغبتهم في علاج الشاب وأمه‏.‏

وكما يتبرع البعض بالآلاف‏,‏ يتبرع آخرون بجنيهات قليلة اقتطعوها من طعامهم‏,‏ ومن أعجزه العوز أرسل بالدعاء‏,‏ لهذا الشاب وأسرته‏..‏ جمعية مصر الخير برئاسة فضيلة المفتي الدكتور علي جمعة تقرر دراسة حالة الشاب لإنشاء مشروع له‏..‏ منكم من قرر تحديد راتب شهري لهذه الأسرة المبتلاة ومنكم من يسأل عن الوظيفة المناسبة لهذا الشاب في ظل ظروفه الصعبة‏.‏

مساعد أول وزير الداخلية اللواء حمدي عبد الكريم‏,‏ دمث الخلق‏,‏ طلب كل المعلومات عن هذا الشاب لمعرفة ملابسات الحادث الذي وقع له منذ‏7‏ سنوات وعرض الأمر علي السيد وزير الداخلية‏.‏

لحم الفقراء آمن مادام بين أيديكم‏,‏ فبمثلكم ـ يامن مددتم أياديكم وقلوبكم ـ مصر بشعبها سيظل دائما بخير‏..‏ والشكر لك ـ دائما ـ يارب العالمين‏.‏
المحــــــرر

-----------------------------------------
Three Column Modification courtesy of The Blogger Guide