الجمعة، ديسمبر ٠٤، ٢٠٠٩

بريد الجمعه 4/12/2009

Bookmark and Share







بريد الجمعة 4 ديسمبر 2009 --- يكتبه خيري رمضان


قطرة دماء

أكتب إليك يا سيدي قصة من أغرب ما يكون‏,‏ ففيها كل جوانب الدنيا‏,‏ بها ابتلاءات وجوانب مشرقة ومواقف من الوحدة الوطنية وأحداث قاتمة جدا في المؤسسة الصحية في مصر‏.‏ وأيضا بها طاقة أمل ونور عظيمة في نفس المؤسسة الصحية‏.‏ هذه مجرد مقدمة وإليك قصتي مع مرض ابني أدهم‏,‏ الذي ولد من ثالث حمل‏,‏ فالأول مات في الشهر السابع قبل ولادته بعدة أيام‏,‏ والحمل الثاني سقط‏,‏ علما بأننا كنا نتابع مع طبيب كبير وأجرينا كل التحاليل والفحوص وأثبتت أنها جيدة‏.‏

ابني أدهم والذي ولد في أول رمضان هذا العام في مستشفي جامعي للولادة بإحدي محافظات الصعيد احتاج بعد يوم من خروجه إلي حضانة لأنه يعاني من مرض الصفراء‏,‏ حيث ظهرت عنده علامات الصفراء‏,‏ وبدأ في عدم تقبل الرضاعة‏,‏ فذهبنا به إلي المستشفي‏,‏ لأن الساعة وقتها كانت الواحدة صباحا فقالت الطبيبة إن عنده الصفراء ويجب دخوله الحضانة لأن وزنه ناقص فوافقنا علي الفور لأنها طبيبة وحتما تعرف أكثر وفي مستشفي اليوم الواحد وهو من أفضل المستشفيات بالمحافظة‏,‏ وبالفعل تركنا ابننا الأول في تلك الحضانة وهنا بدأت رحلة المعاناة الكبري‏,‏

فقد بقي بها يومين فقط وشفي من الصفراء‏,‏ وهبطت نسبتها إلي‏6‏ بدلا من‏15‏ وهي نسبة جيدة جدا ولكنهم قالوا لنا إن وزنه قليل ولا يمكن خروجه لأن وزنه‏1,5‏ كجم فوافقتهم علي إبقائه ولكنني بعد يوم آخر علمت أن هناك طفلا دخل الحضانة وعنده ميكروب في الدم ويريدون عزله فخفت جدا علي ابني ووددت إخراجه ولكن الطبيب النوبتجي أخذ يجزم ويسترسل بأن هذا الطفل يحتاج الحضانة وأنني سوف أضره إن أخرجته وحرام عليك إن أخرجته لأن وزنه ناقص ولا يجب إخراجه‏,‏ والطفل الذي يحمل الميكروب معزول‏,‏

والمستشفي آمن جدا‏,‏ ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنتقل العدوي إليه‏,‏ وأنه لا يعاملني أنا إنما يعامل الله وضميره‏,‏ الغريب أن هذا الطبيب الذي يعامل الله وضميره سألنا عليه في أكثر من مرة وهو نوبتجي في بعض الأيام فنجده هاربا أو‏(‏ مزوغا‏)‏ علما بأنه طبيب الأطفال الوحيد النوبتجي في تلك الأيام وذهب إلي عيادته الخاصة‏,‏ فرغم أخذه أجرا من المستشفي فإنه ذهب ليبحث عن أموال أخري في عيادته‏,‏ ولأنني لا أقبل السكوت عن الحق فقد اتصلنا بنائب مدير المستشفي لنبلغه بذلك‏.‏

المهم أن ابننا وبعد ثلاثة أيام أخري اتصلوا بنا ليلا ليبلغوني أن أحد الأطباء يريدني في المستشفي وعندما ذهبت إليه قال لي إن ابنك دخل في مرحلة خطيرة من الضيق في التنفس بل وانقطاعه للحظات ثم رجوعه مرة أخري‏.‏

علمنا بعد ذلك أنه نتيجة إصابته بالعدوي الميكروبية هو وكل الأطفال بالمستشفي‏,‏ فقد أصيب ابني بتسمم في الدم وعاني منه جدا أكثر من باقي الأطفال لأن وزنه ناقص جدا‏,‏ ولذلك فمناعته ضعيفة جدا‏,‏ ويجب وضعه تحت جهاز تنفس صناعي وهو غير موجود بحضانات المستشفي فسألته أين يوجد؟ فقال لا أعلم‏!!‏

بحثنا عنه في كل المستشفيات الكبري بالمحافظة فلم نجده إلا بمستشفي سوزان مبارك الجامعي للولادة والأطفال بالمنيا ولكن قالوا لنا بكل برود انه متعطل منذ فترة‏,‏ وقال الطبيب لنا‏:‏ أذهبوا به إلي أسيوط أو القاهرة في عربة إسعاف بحضانة‏,‏ وعندما سألنا عن مكان بمستشفي أسيوط قالوا لنا‏:‏ الجهاز موجود ولكن لا يوجد مكان‏!!‏

تخيل سيدي كيف تكون حالة أب كان ينتظر أن يسعد بقرة عينيه‏,‏ فإذا به يعاني كل ذلك في ساعات الليل والوقت يمر وحياة ابني في خطر‏,‏ لأن الجهاز الذي يمكن أن ينقذ مئات أو آلاف الأطفال بالمحافظة غير موجود إلا في مستشفي واحد جامعي وللأسف من فرط الإهمال تركوه معطلا‏!‏

اتصلنا بالأقارب والمعارف في القاهرة والذين سألوا طبيبا كبيرا للأطفال فقال إن الجهاز متوافر في أماكن عديدة ولكن يجب أن يحدد لنا أطباء المنيا إن كان الطفل يتحمل السفر أم لا لأن هذه الحالات الحرجة تكون هناك خطورة في نقلها وللأسف سألنا الطبيب النوبتجي فقال إنني لا أستطيع أن أحدد وان الأمر في يد الله وذهبنا للعديد من الأطباء لكي يأتوا ليروا ابني ويحددوا قدرته علي السفر أو أن يبقي هنا أفضل‏,‏ فرفض الجميع أن يأتوا معنا بالرغم من عرضي عليهم أي مبلغ من المال يطلبونه وأن أوصلهم بسيارتي في أسرع وقت ثم أعيدهم فرفضوا فطلبتها منهم علي سبيل الرحمة والانسانية فرفضوا أيضا‏,‏ ولا أعرف السبب هل مراعاة لشعور أطباء المستشفي اللذين لا يستطيعون التحديد ولا اعلم إن كان الأطباء لا يستطيعون التحديد فمن يستطيع هل والداه؟

نعم يا سيدي إنهم يخافون من زملائهم الاطباء المخلوقين ولا يخافون من الخالق رغم أن الرسول الكريم قال من كتم علما ينتفع به فليتبوأ مقعده من النار فما بالك بأمر يتعلق بإنقاذ حياة إنسان بل إنه طفل بريء لا يستطيع حتي أن يشكو بل ولا يستطيع أن يتأوه من الألم‏!!‏

المهم أننا في ذلك الوقت الذي كنا ندور فيه كعب داير أنا وأخي وبعض الاصدقاء عن طريق التليفون كنا أيضا نبحث عن سيارة إسعاف بحضانة‏,‏ وأيضا لم نجد أو كانوا يرفضون رغم وجودها الله اعلم‏.‏ المهم وجدنا سيارة بعد معاناة في الساعة الرابعة فجرا بأحد مراكز الإسعاف بمبلغ من المال وبحثنا أيضا عن طبيب أطفال ليسافر معه في السيارة لأي طارئ وأيضا وجدناه وقت الفجر عن طريق أحد المعارف وأعطانا موعدا في التاسعة صباحا بالمستشفي وأخذنا ندعو أن يستطيع ابننا أن يصمد حتي الصباح‏.‏

وفي الصباح يا سيدي جاءت الطبيبة المشرفة علي الحضانة في يوم الاثنين الذي كنا سنسافر بالطفل فيه ورغم أن نائب مدير المستشفي قال لنا إن موعدها في التاسعة صباحا‏,‏ ظننا أنها مثل الكثيرين ستتأخر عن موعدها ساعة أو اثنتين أو ثلاثا كما يحدث ولكنها جاءت في موعدها تماما وقبل نقل ابني بلحظات قليلة‏,‏ ورأيتها طبيبة شابة وليست كبيرة مثلما تصورنا ولكن علمنا بعد ذلك أنها متفوقة جدا وحاصلة علي الدكتوراة في الأطفال في سن مبكرة وبالفعل ياسيدي كانت طاقة الأمل والنور في جو من اليأس والظلام والإهمال في المؤسسة الصحية‏!!‏

المهم أن الطبيبة كشفت عليه وقالت في نبرات واثقة جدا من نفسها ومن علمها أن نقل الطفل يسبب خطرا كبيرا عليه وأن جهاز التنفس الصناعي قد لا يحتاجه إلا بنسبة‏5%‏ وأن العلاج هنا هو نفس العلاج الذي سيتناوله في القاهرة لو كنتم ستوفرون لنا الدم والبلازما والعلاج الذي نريده‏,‏ ورغم أنني ترددت في سماع كلامها ظنا مني أنها طبيبة صغيرة أو قليلة الخبرة في الطب فإن ثقتها في كلامها وتحديدها بكل دقة في الوقت الذي تهرب فيه كل الأطباء من المسئولية جعلنا نصرف سيارة الاسعاف والطبيب وقلنا لها إن كل ما تريدينه سوف نحضره بإذن الله والباقي عليك بعد الله عز وجل‏,‏

وقالت لنا إنها تريد بلازما من فصيلة الطفل وتريد دما من فصيلة أخري هي‏(O-)‏ من بنك الدم بالمحافظة وما أدراك ما بنك الدم فقد أخذت عينة دم من هذا الجسد الضعيف وذهبت بها فقالوا لنا إن فصيلته‏+A‏ وأعطونا بلازما علي هذا الأساس ودم‏+A‏ بعد يومين عندما احتجنا ولكن بشرط أن نحضر متبرعين‏,‏ نعم فهم يرفضون إعطاء أي شخص دماء إلا لو جاء بمتبرعين حتي ولو كانت حالته خطيرة ويريد الدم الآن ثم يحضر متبرعين بعد ساعة أو اثنتين ولقد رأيت هناك ما لم أره يوما لا يخطر علي بال أي شخص إلا من يمر بالتجربة‏,‏ فمعاملة المواطنين الذين لهم أقارب يصارعون الموت معاملة العبيد‏..‏ معاملة سيئة جدا

...‏ لقد رأيت هناك رجلا يبكي لأن زوجته نزفت في أثناء الولادة وهي أم لخمسة أطفال وكان يقول إن ماتت فأين أذهب بهم وماذا أفعل فيهم ورفضوا إعطاءه دماء وقالوا كل من يأتي هنا في حالة خطر فماذا نفعل ورأيت امرأة تبكي وتقول لهم أقبل أحذيتكم أن تعطوني دما لأن أختي حالتها خطر بالمستشفي فقالوا لها هاتي متبرعين وتعالي بعد الافطار أي بعد سبع ساعات فقالت لهم انها تنزف ونحن من قرية بعيدة وهي لن تنتظر فخذوا مني الدم وأعطوني بدلا منه فقالوا لها بعد الافطار ليس عندنا دم هل نحن نفتح الحنفية ليهبط منها دم؟ نعم يا سيدي هذه هي طريقة التعامل في بنك الدم التابع لوزارة الصحة بعد أن أغلقوا بنوك الدم بالمستشفيات وحظروا التبرع فيها ونقلوا الأمر إلي بنك الدم الإقليمي بدون دراسة العواقب‏.‏

نعم كلنا مقصرون‏,‏ نحن لا نتبرع بالدم إلا في وقت الشدة للأقارب أو المعارف بل ولا نفكر حتي في الموضوع إلا عند وقوعنا فيه ونمر علي سيارات الإسعاف باستهزاء ونقول يا عم سيبونا في حالنا أو يا عم هو إحنا عندما دم ونضحك مع أنه شيء صحي جدا للإنسان أن يتبرع كل عدة أشهر فالإعلام مقصر جدا ووزارة الصحة‏,‏ فللأسف لا يقومون بحملات قوية مثل حملة مستشفي سرطان الأطفال التي تلقي صدي واسعا‏,‏ فهم يستطيعون القيام بحملة كبري لتوعية الناس أن هذا الدم لا يباع كما يعتقد الكثير من الناس التي لا تعرف أن ثمن كيس الدم الذي يدفعه المواطن في بنوك الدم لا يتعدي ثمن ثلث كلفة التحاليل فقط والباقي مدعم من الدولة وأنه ينقذ إنسانا من الموت وأنك إن لم تتبرع وأنت تستطيع فسيموت إنسان وأنت لا تنقذه‏,‏ فالشعب المصري شعب طيب وجميل ولكن أحيانا يحتاج الكثير من شبابنا إلي بعض التوجيه‏.‏

الغريب أننا عندما حللنا عينة دم أخري بنفس بنك الدم أخرجوا لنا فصيلة أخري وقالوا إن فصيلته‏AB‏ فثرت عليهم كيف في أسبوع واحد تخرجون لنفس الطفل فصيلتين ومعي الفواتير التي أخذت الدم والبلازما بها؟‏!‏

إن تحليل الفصيلة هو أسهل أنواع التحليل فما بالك بباقي تحاليل الدم المعقدة وما خفي كان أعظم‏,‏ ولكن شاءت إرادة الله أن يعيش الطفل رغم أنه أخذ دم‏+A‏ عن طريق الخطأ وتلك معجزة‏,‏ حيث إن فصيلته الحقيقية‏AB‏ وهي تقبل التبرع من أي فصيلة أخري‏,‏ المهم يا سيدي ليس في كل ذلك بل في فصيلة‏(O-)‏ وهي نادرة جدا وحالة ابني حرجة جدا ويجب تغيير الدم له ولكن بنك الدم يقول ليست عندنا وعندما وجدت متبرعا قالوا لنا تأخذونها بعد يومين أواذهبوا بالمتبرع لمستشفي الجامعة فهو المكان الوحيد الذي به معمل دم غيرنا ومستشفي الجامعة رفض وقال التبرع يجب أن يكون لشخص داخل المستشفي فقلنا لهم ننقله للمستشفي فقالوا ليس هناك مكان‏,‏ كل ذلك ومعك طفل حالته حرجة ونسبة الصفراء ارتفعت إلي أكثر من‏20‏ وعنده تسمم في الدم وحالته أقل ما يقال عنها إنها حرجة جدا وأنت معك المتبرع ولا تعرف أين تذهب به‏!!‏

هل تصدق هذا؟‏..‏ نعم صدقه يا سيدي لأننا في صعيد مصر‏!!‏
المهم أننا وجدنا كيس دماء بأحد المستشفيات في مدينة أخري بعيدة عنا وتم تغيير الدم له الساعة الثالثة فجرا ولكن للأسف نسبة الصفراء ارتفعت‏,‏ وتكررت المأساة وأصبحنا أنا وأخي وأصدقائي ومنهم المسلم والمسيحي لا ندخل البيت إلا فجرا بعد أن يتبرعوا بالدم ويبقوا معي حتي العثور علي كيس دم له ليلا أو صباحا في اليوم التالي أو فجرا‏,‏ وهكذا كان معي صديق مسيحي لا يتركنا ليلا أو نهارا وكان من أول المتبرعين وكان معي طيلة الوقت ليقود السيارة حتي لا أقود وأنا في حالة صعبة‏,‏ فهذه هي مصر‏,‏ وبرغم كل ما فيها من جوانب سيئة فعلناها بأيدينا فإنه دوما تبقي طاقة من أمل ونور‏.‏

وكل يوم يتم تغيير الدم له ولكن الصفراء ترتفع إلي أن أصبحت‏30‏ وأصبحت هناك خطورة شديدة علي المخ وعلي الكبد من هذه النسبة وأي مخ وأي كبد الذي يتحمل في طفل وزنه بعد هذه الرحلة أقل من‏1,5‏ كجم‏,‏ فقررت أخذه علي مسئوليتي إلي مستشفي خاص بالقاهرة وليكن ما يكون‏,‏ فهو الطريق الوحيد الذي لم أسلكه حتي لا أكون مقصرا مع هذا الطفل البريء الذي تقف الدنيا والناس والمرض ضده‏,‏ فجهزت سيارة الإسعاف وأحضرت الطبيب الذي سوف يسافر معنا وذهبنا للقاهرة للمستشفي التي من المفروض أن أحد الأقارب اتصل بطبيب كبير ليرتب لنا الأمر فيه‏,‏

وللأسف وبعد رحلة شاقة رفض المستشفي استقباله خوفا من تسمم الدم فقلت لهم أنه عولج منه وان المشكلة في الصفراء ولكن الطبيب المشهور غاب ضميره واتضح إنه لم يتصل بهم أو يخبرهم بشيء عن الحالة وهم رفضوا استقباله وهو ليس في حالة تسمح لي أن أدور به علي كل مستشفيات القاهرة العام منها والخاص وقررت أن أعيده مرة أخري إن كتب له أن يصل حيا حتي ارحمه من المعاناة ولكنني طلبت منهم المحلول الذي يحقن به ليعيش أو أن يستبدلوا لنا اسطوانة الأكسجين حتي لا تنتهي في رحلة العودة فرفضوا وقالوا لنا إنها سوف تكفيكم لمدة‏18‏ ساعة أخري‏,‏

نعم يا سيدي أقسم لك أن من قال لي ذلك هو طبيب أو المفترض أن يكون طبيبا يري طفلا بل كائنا حيا أقل من‏1,5‏ كجم‏,‏ إنه مجرد روح تتألم بين الحياة والموت ويرفض حتي إعطاءه المحلول أو اسطوانة الأكسجين بأي ثمن من المال‏,‏ فأنا والحمدلله كنت أستطيع دفع أي مبلغ له ولكن لقد أصيب بعض اطبائنا بعدم الإنسانية واللامبالاة وقد انتهت اسطوانة الأكسجين بعد ساعتين في منتصف الطريق الشاق فتوجهت إلي طفلي وقلت له يعلم الله يا بني انني لم أدخر عليك جهدا ولم أبخل عليك بمال وأنني مستعد لبيع ملابسي لأصرفها عليك ولكن الدنيا قد ضاقت عليك حتي الأطباء والمستشفيات‏,‏

والذين من المفترض أنهم ملائكة الرحمة قد رفضوك في الدنيا ولكن رحمة الله واسعة ولست أرحم عليك ممن خلقك‏,‏ وسلمت أمري لله وتوجهت له بالدعاء وإن كنت قد يئست من الدنيا ومن قدرته علي التحمل‏,‏ ولكنها إرادة الله‏,‏ فقد تحمل الخطأ في تحليل الدم‏,‏ وتحمل التأخير في أكياس الدم وتحمل انتهاء الأكسجين في السفر ورحلة السفر‏11‏ ساعة‏..‏ لا أعرف كيف تحملها وإننا كنا نخاف من رحلة سفر أربع ساعات فقط ولكن هذا الكائن الضعيف الذي دعوت الله إن كان في موته راحة من هذا الألم والعذاب أن يميته ليريحه من الألم والمعاناة التي لا يتحملها رجال بشوارب مع شدة حبي واحتياجي لهذا الابن أنا وأمه ولكن دعوت ذلك من شدة ألمي عليه وأنا لا أعرف ماذا أفعل معه‏,‏ قد جعله الله يتحمل ليضرب للناس المثل بأن الشفاء من عند الله‏!‏

ورجعت لنفس المستشفي فجرا وقد اتصلت بنفس الطبيبة وبالسيد نائب مدير المستشفي فوجدتهم رتبوا لوصولنا أكرمهم الله وأثابهم خير الجزاء وبدأت رحلة العلاج مرة أخري مع نفس الطبيبة الوحيدة التي تقبلت مد يد العون لابني بعد أن رفضه الجميع‏..‏

وحتي يعلم الجميع أن الشفاء من عند الله فقد قالت لي هذه الطبيبة انك فعلت كل ماتستطيع ولم تبخل بشيء فاترك الأمر لله وهو لن يضيعك وبالفعل سلمت أمري لله لأنني فقط كنت أريد أن أكون غير مقصر مع هذا الكائن البريء الصغير الذي يتحمل العديد من الآلام والحمد لله بعد وصولنا بعدة ساعات بدأت نسبة الصفراء في النزول وانتهي التسمم الدموي والطبيبة تتابعه ليلا ونهارا وكثيرا كانت تأتي في أيام ليست أيامها بالمستشفي وكانت تتابعه بالهاتف من البيت‏,‏ فلم تكن تنام مثلنا تماما وكأنه ابنها حتي خرج من المستشفي منذ عدة أسابيع ولكن يحتاج للعزل لمدة أخري خوفا من أي عدوي لأن وزنه قليل فتنام أمه في غرفته للاعتناء به ولكن وهي مرتديه كمامة وأنا أخاف عليه من الدخول عنده وكلما اشتقت إليه ارتدي الكمامات والقفازات لأراه‏!!‏

سيدي‏..‏ أبعث برسالتي هذه ليعلم الجميع أن الشفاء بيد الله عز وجل وأن الله تعالي قال‏(‏ لا تقنطوا من رحمة الله‏)‏ وهو أصدق القائلين ولأدعو كل من له مريض أو به مرض أن يتصدق لله تعالي‏,‏ فالرسول الكريم قال‏(‏ داووا مرضاكم بالصدقات‏)‏ ولأدعو كل المصريين أن يتبرعوا بالدم لمن يحتاجه الآن لأنهم سيحتاجونه في يوم من الأيام إن لم يكن لهم فلأبنائهم أو إخوانهم أو أحفادهم بعد عدة سنوات‏..‏ ففعلا قطرة الدم تساوي حياة‏.‏

*‏ سيدي‏..‏ أعتقد أنك لا تقصد برسالتك المؤلمة والكاشفة البحث عن طريق لـ قطرة دماء أو قطرات‏,‏ وإنما تقصد أننا في أشد الحاجة إلي قطرات‏,‏ بل أنهار من الضمير‏.‏

قد نفهم وجود قصور في وزارة ما أو إهمال وتراخ أو حتي فساد نتيجة الترهل والبيروقراطية والتراكمات القديمة والبطالة‏,‏ وهذا ينطبق علي كثير من الوزارات‏,‏ ولكن ما لا أفهمه ويحار العقل في تفسيره‏,‏ لماذا يقسو الناس بعضهم علي بعض؟‏..‏ لماذا ونحن نتهم الحكومة بعدم الشعور بالناس وهمومهم‏,‏ نفعل نفس الشئ وأكثر؟

لماذا يقسو الطبيب ويهمل؟ لماذا يتحجر قلب موظف في بنك الدم ولا يهتز ولا يبكي ولا ينفعل وهو يري استغاثة بشر أمامه‏,‏ ويعرف أنه باهماله وتعنته يودي بحياة آخر يمكنه إنقاذه بكلمة أو قرار؟

هذا ما يستحق أن نناقشه ياسيدي‏..‏ لماذا أصبحنا جميعا ــ وللدقة أغلبنا ــ قساة القلب‏,‏ في الشارع وفي العمل وفي البيوت‏..‏ نتبادل القسوة بكل يسر وبلا مبالاة؟

سيدي‏..‏ لا أريد أن أزيد علي رسالتك شيئا‏,‏ ففيها الكثير والكثير‏..‏ وأثق بأن الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة لن يتواني لحظة عن مواجهة الفساد والاهمال الذي كشفته وربما دفعته رسالتك إلي البحث عن وسائل واتخاذ قرارات لتوفير الدم لمن يحتاجه‏,‏ ثم نفكر كيف ندعو الناس إلي التبرع بالدم‏..‏ ولا ننسي توجيه الشكر والاحترام لهذه الطبيبة الانسانة لعلمها وإنسانيتها وأمانتها في وقت عز فيه كل هذا‏..‏ وتبقي دعواتنا لطفلك ولكل مرضانا بتمام الشفاء والعافية‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏..‏
---------------------------------------------------------

همس الأصدقاء - هذا الجبروت‏!‏


ارجوك أنشر رسالتي وساعدني كي نحمي اطفال وابناء المسلمين من الجبابرة‏.‏

قرأت رسالة الأسبوع الماضي وهذا الوحش وما قبله وكنت قد قرأت قصة الرجل الذي فقد ذاكرته منذ عدة سنوات‏,‏ واستغربت كثيرا من ردود القراء التي تنادي ابناء هؤلاء الجبابرة بالرحمة والصبر والعطاء وما إلي ذلك من نصائح جميلة تفوق طاقة البشر والواقعية‏.‏

ارجوك أنشر رسالتي وساعدني كي نحمي اطفال وابناء المسلمين من الجبابرة‏.‏

قرأت رسالة الأسبوع الماضي وهذا الوحش وما قبله وكنت قد قرأت قصة الرجل الذي فقد ذاكرته منذ عدة سنوات‏,‏ واستغربت كثيرا من ردود القراء التي تنادي ابناء هؤلاء الجبابرة بالرحمة والصبر والعطاء وما إلي ذلك من نصائح جميلة تفوق طاقة البشر والواقعية‏.‏ كيف نطلب من إنسان مشوه نفسيا مسلوب الإرادة التسامح والعطاء؟ والله لو كان هؤلاء الأبناء حيوانات لا يعرفون الكرامة وعزة النفس لهربوا من هذا الظلم والجبروت أو افترسوا هؤلاء الجبابرة‏.‏ كيف يطمئن قلبي أن أنصح هؤلاء الأبناء بأن يتركوا اباءهم يقتلونهم نفسيا كل يوم‏,‏ ثم يموت الأب بعد أن دمر ابناءه واصبحوا غير صالحين لحياة طبيعية‏.,‏

كيف نتجاهل هذه التشوهات النفسية المتزايدة يوما بعد يوم ونطالبهم بأن ينسوا الماضي ويعفوا‏!‏ يا عزيزي القارئ التشوهات النفسية التي ارتكبها هؤلاء الأباء لم ولن تزول‏,‏ فهي أشد وطأة من بتر اليد وقتل النفس‏.!‏ فهي الابتلاء الحقيقي الذي سيعذب صاحبه بآثاره كل يوم‏.‏

أو ليس هذا الجبروت والكبر والقسوة من صفات الكفر والمشركين؟ فكيف نطالبهم بطاعتهم؟ كيف لا يحاسب القانون عن عقوق الآباء وهو والله أشد قسوة من قتل أرواحهم‏.‏ هل اعتادت آذاننا الآن من خلال وسائل الاعلام ترويع الابناء وقتلهم؟ هل من العدل والرحمة ترك هؤلاء الابناء في يد الجبابرة يفعلون بهم ما يشاءون كأنهم امتلكوهم وننتظر حتي نسمع خبرا جديدا في الجرائد بقتلهم حتي نفيق ونحاسب من يدعون الأبوة‏!‏ أدعو الشيخ القرضاوي أن يفتي امتنا في الأم الضعيفة التي اعتادت الاهانة والذل وتربي اولادها مع زوج جبار لا يعرف الرحمة مثل هؤلاء؟ هل هي بذلك مذنبة‏,‏ فإني والله لا يرتاح قلبي لردود القراء من الدعوة اليها بالاستكانة والتعامل مع الموقف بمنطلق الابتلاء‏.‏

فمن وجهة نظري ان تهرب كل أم بأولادها من أي أب ظالم جبار وتنجو بهم وتحتسب رزقها علي الله‏,‏ فهو لن يضيعها ابدا‏.‏ اما الأبناء فعليهم بالعمل والهروب بأنفسهم‏.‏ فإذا ضعف الأب واحتاج اليهم ماديا أو معنويا فسيكون الابن قادرا أكثر علي العطاء بعد أن نجا بنفسه واصبح له دور في المجتمع‏.‏ وعلي علمائنا ان يفتونا حتي يعلم كل اب أن هناك قانونا يحمي ابناء المسلمين‏.‏

مسئولية تربية ابناء الوطن والمسلمين تربية سليمة وصحية هي مسئولية اجتماعية آثارها السلبية ستكون نارا ملتهبة تحرقنا جميعا إذا لم نوليها اهتماما بواقعية‏.‏ فمعظم ما نقرأه في هذا الباب هو آثار تشوهات نفسية من الصغر ونفوس ضعيفة غير قادرة علي النهوض بأنفسها ومجتمعاتها‏.‏
نهي حسن

--------------------------------------------------------

وحوش البرية


تعليقا علي رسالتي‏:(‏ هذا الوحش‏..‏ وهذا الوحش‏)..‏ الذي أعلمه يا سيدي أن الوحش يذهب للصيد ليصطاد فرائسه ثم يأتي بها لسد جوع صغاره‏..‏ ولم يحدث أن وحشا قد قام بافتراس صغاره‏..‏ ياإلهي كيف يقع ذلك في عالم البشر‏,‏ ولا يحدث بين وحوش البرية‏..‏؟ هل كان الشاعر أمير الصعاليك الملقب بالشنفري صادقا عندما قال‏:‏ عوي الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوي‏..‏ وصوت انسان فكدت أطير‏..!‏

كيف تحمل تلك الصدور الصغيرة هذه الجبال من الكراهية والبغض وتمني هلاك الآخر حتي ولو كان أقرب المقربين‏..‏ كيف طوعت نفس أحد ولدي آدم قتل أخيه فأصبح من النادمين‏..‏ كيف يكون إلحاق الأذي بالآخرين مقدما علي جلب المنفعة للنفس‏..‏ إنه عالم البشر‏..!‏

أوشك أحد الطغاة علي الغرق‏..‏ فرآه رجل فأسرع إلي النهر وقام بانتشاله وإنقاذه من الموت المحقق‏..‏ وبعد أن استعاد هذا الطاغية عافيته وهدأت نفسه استدعي ذلك الرجل الذي أنقذه ليجزيه أجر ما قام به من معروف تسبب في إنقاذ حياته‏..‏ وإذ بهذا الرجل يفاجئ الجميع برفضه للمكافأة مبينا أن سبب قيامه بإنقاذ هذا الطاغية يرجع إلي حديث نبوي شريف يذكر أن من يموت غريقا فهو شهيد‏..‏ وأنه لم يرد لهذا الطاغية أن يموت شهيدا وتكفر عنه سيئاته‏,‏ فأراد إنقاذه لعله يموت ميتة أخري لا ينال بها مكرمة الشهادة‏..!‏ إلي هذا الحد يمكن أن يتحكم السخط والغل والكراهية في النفوس‏..‏؟‏!‏ كل ما سبق يثير الدهشة ويبعث علي الذهول وربما عدم التصديق‏..‏

ولكن أن تتمني فتاة لأبيها عدم المرض حتي لا يخفف عنه الله من ذنوبه فهذا أمر لا يمكن تخيله وأمر يترك الحليم حيران‏..‏ بل لم نسمع به ولم يحدثنا عنه أحد من آبائنا الأولين‏..!‏ لقد سبق أن ذكرت في رسالة سابقة لبابكم الأغر بأن الله سبحانه لم يترك للأبناء ذريعة يمكن أن ينفذوا منها مبررين عدم برهم بآبائهم‏..‏ لا شيء يبرر عقوق الوالدين أو الاساءة اليهما أيهاالسادة‏..‏ ويكفي أن جريمة الكفر نفسها وهي في حق الله تعالي لم يجعلها الله مبررا لعقوق والديكم‏..‏

بل امتد كرم الكريم إلي المصاحبة بالمعروف في الدنيا‏..‏ وإن جاهداك علي أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا‏..‏ إنه كرم وفضل لا يصدر إلا عن الخالق الأعظم الذي رد علي الملائكة الذين تعجبوا من كرمه وحلمه مع العاصين فقال لهم‏:‏ لو خلقتموهم لرحمتموهم‏..‏ أي فضل وأي كرم وأي حلم منك يإإلهي‏..‏؟‏!‏ ليس دفاعا عن الآباء والأمهات نتحدث ولا يمكن تبرير سلوك الوالدين مهما كان‏,‏ ولا نقول إنهما دائما علي حق في أي اختلافات أوخلافات يمكن أن تنشب بينهما وبين أبنائهما‏..‏

ففي بعض الأحايين قد يخطئ الوالدان أو يسيئا التصرف مثلما فعل الملك في رائعة شكسبير‏(‏ الملك لير‏)‏ فقد ظلم ابنته الصغري‏(‏ كورديليا‏)‏ بحرمانها من نصيبها في الملك لأنها لم تكذب ولم تتزلف إلي والدها الملك بكلام زائف أو قول معسول مثل أختيها اللتين تنكرتا لأبيهما في النهاية فكانت عاقبة أمرهما خسرا‏..!‏ نعم قد يسيء الوالدان استخدام السلطة‏..‏ ولكننا لسنا الموكلين بمحاكمتهما في الدنيا‏,‏ فهذا متروك لرب الأرباب الذي منحهم هذه السلطة الفريدة في عالم البشر‏..‏

وحسبي في هذا المقام أن أذكر الآباء بحديث الرسول الأكرم‏(‏ كفي بالمرء إثما أن يضيع من يعول‏)..‏ أيها الأباء والأمهات ساعدوا أبناءكم علي أن يطيعوا الله فيكم‏..‏ بروهم في صغرهم يبروكم في هرمكم وفي لحظة ضعفكم ووهنكم‏..‏ وحين سقمكم وهوانكم علي الناس‏..‏ قال حكيم‏:‏ أحسن إلي الناس تستعبد قلوبهم‏..‏ فطالما استعبد الانسان إحسان‏!‏

فما بالك لو أحسنت إلي أولادك‏(‏ لحمك ودمك‏)..‏؟‏!‏
رضا نبيه
‏wit_7@yahoo.com

Three Column Modification courtesy of The Blogger Guide