الجمعة، سبتمبر ٢٤، ٢٠١٠

بريد الجمعة 24 سبتمبر 2010 : سوف أحيا

Bookmark and Share
نقلا عن جريدة الأهرام

سوف أحيا


استفزتني كلمات رسالة آلام الخوف كثيرا وذكرتني بنفسي وأرجو منك يا سيدي أن تتذكرني‏,‏ كنت قد كتبت لك منذ ما يقرب من العام ردا علي رسالة طريق الطلاق أحكي لك فيها كيف أنني فعلت جهدي مع رجل أقل مني اجتماعيا ولم يقدم لي في زواجي منه سوي الظلم‏,‏ ومع هذا قاتلت باستماتة لتستمر حياتنا حتي ينشأ طفلي نشأة سوية‏,‏ وأراحني ردك كثيرا واثبتته لي الأيام كيف أن حالنا أفضل ألف مرة انا وطفلي بدونه‏.‏
وأحكي قصتي كاملة أوجهها لتلك الفتاة المرتعبة التي تموت كل يوم بسيف أفكارها وحده‏,‏ وكلي أمل أن تغير قصتي مجري تفكيرها‏.‏
أنا فتاة ولدت بمرض وراثي في الدم ولست وحدي بل أنا وأغلب أخوتي‏,‏ وكان والدي رجلا صالحا رحمه الله فكان يدعو الله ويتجلد بالصبر أمام الآلام المبرحة التي تصيبنا كنوبات‏,‏ وبعد ذهابها نعود فنمارس حياتنا بشكل طبيعي‏,‏ وتميزنا ولله الحمد وكنا فخرا له ولأمي حتي رحل عن الحياة وتركنا في مراحل التعليم المختلفة‏,‏ فأكملت أمي بكل صبر الرحلة‏,‏ ورزقنا الله بأب كريم ساعدها فينا فقد كان من المستحيل أن تحمل عبئنا وحدها فمرة يحتاج أحدنا لمحاليل ومرة لنقل دم والعجيب في هذا المرض أنه ممكن أن يختفي بالسنوات وممكن أن يظهر بلا مقدمات‏!‏
كنا نعيش حياتنا بأقصي طاقة وبلا خوف وتمر لحظات الألم بالدعاء والصبر والرضا التام بما كتبه الله علينا وكان أبي يعلمنا أننا أفضل من الأشخاص الذين لم يذوقوا عناء المرض وعجزه‏,‏ لنا أن نتفاءل بمنزلتنا المرتفعة في الجنة وبذنوبنا المكفرة بتلك الآلام‏!‏
مات أبي شابا في أوائل الأربعينيات بذاك المرض‏,‏ ورحل أحد أخوتي وأقربهم لقلبي وهو في منتصف العشرينيات بالمرض نفسه بسبب نقص المناعة وأي عدوي تكون واردة‏..‏ وكان الطبيب يقول‏:‏ لا تخالطوا الناس لتجنب العدوي‏,‏ وذهبنا للجامعات ولميادين العمل ونجحنا وعشنا بكامل طاقتنا وبأقصي قدراتنا ولم ير من حولنا فينا هذا الألم‏.‏
وتقدم لخطبتي رجل وتحدثت معه في هذا الأمر بكل وضوح وبساطة وكان ذلك قبل وفاة أخي‏,‏ كان منبهرا بتميزي والفارق الاجتماعي بيننا‏,‏ فلم يعر الأمر أدني اهتمام وتم الزواج وكان سعيدا يشعر بأنه قد فاز وتجلت لي طبيعته المادية جدا بعد الزواج فحثني بكل جهد علي العودة لميادين العمل‏,‏ وحدث حملي وانهرت في بداية عملي واضطررت رغم امتعاضه أن ابقي في البيت لموعد ولادة طفلي‏..‏ ثم رحل أخي وانهرت في ذلك الوقت وكدت أموت واحتجت لتدخل جراحي وبنك دم لأنقاذ حياتي وحياة الطفل‏,‏ فوقف يتشاجر مع أمي ويقول لي لو ستموتين موتي في مستشفي عام قدر الله سيحدث في أي مكان‏,‏ وتوسلت له أمي وقالت إنها ستتصرف في المال ولا تريد منه قرشا‏.‏
ودخلت مستشفي كبيرا وكانت ليلتي قاسية جدا فأنا أفيق من البنج وكل آلام الدنيا عندي وطفلي يكافح ليبقي حيا علي جهاز التنفس الصناعي‏,‏ وصورة أخي الذي كنت أدخل المستشفي أنا وهو أحيانا في وقت واحد لا تفارق وجهي‏.‏
أنت يا عزيزتي تخافين من أشياء عشتها في خيالك فقط ومن خلال كتبك الدراسية وتاريخ عائلتك المرضي‏,‏ أما أنا فعشت الكابوس حيا هذا أخي ونفس تاريخي المرضي قد رحل في زهرة عمره‏,‏ وتركني خلفه للنذل الذي تزوجته لم يترك احدا إلا أخبره بكل ازدراء‏,‏ وكذب كيف أنه سيطلق المريضة التي انخدع وتزوجها‏,‏ والحقيقة التي كنت أعلمها أنه لم يحصد ما ظن أنه سيحصده من زواجه مني فقرر تقليص الخسائر علي نفسه والرحيل‏.‏
وتركني والطفل علي يدي في أول شهور عمره وغادر‏,‏ واكتشفت مع الولادة أنني مصابة بعدوي فيروسية في الكبد من نقل الدم وكنت مريضة بحق في تلك الأيام أسكن بيتا وحدي وتسدد أمي مشكورة الايجار وتحضر لي ما أحتاجه في حدود ما تستطيع‏,‏ وأنا مريضة بالكاد أقوي علي خدمة نفسي والطفل‏,‏ وبقيت انتظر الموت بل وأتمناه‏,‏ وأنا التي منذ عام فقط قبل تلك الأحداث كنت فتاة جميلة يطرق بابها العشرات‏,‏ وتعيش حياتها بكل طبيعية‏!.‏

نبذتني الحياة وشبح أخي الراحل يطاردني بكل اصرار‏,‏ وتملكني احساسك اليقيني بالهلاك نفسه‏,‏ وكنت أنظر لطفلي بكل شفقة وأفكر في مصيره الذي سيكون أفضل لو رحلت بعجزي عن عالمه وتركته لأمي الصابرة تربيه وهو ابن ستة أشهر‏.‏
أخي مدفون تحت الأرض‏,‏ وأنا مدفونة فوق الأرض وأرسل الله لي جارة صالحة طرقت بابي يوما ودخلت عالمي فغيرت قناعاتي وأعادتني برحمة الله للحياة‏..‏ هناك مقولة تقول الشجاع يموت مرة والجبان يموت ألف مرة‏,‏ قالت لي أمامك خياران لا ثالث لهما‏,‏ إما أن تقومي الآن وتبحثي عن أسباب علاجك‏,‏ وإما أن تقتلي نفسك بعقلك كل يوم حتي يقرر الله متي يرسل لك ملك الموت لتموتي حقا‏,‏ وحكت لي عن قريبها الذي كان يقول سأموت شابا وفجأة‏,‏ وكيف أنه بالفعل مات شابا وفجأة‏,‏ أخبرتني كيف أن المرء هو الذي يقرر مصيره بالحياة ويرسم خطوطه بعقله أولا قبل فعله‏,‏ وقالت حديث الله عز وجل الذي قال فيه‏(‏ أنا عند ظن عبدي بي‏,‏ فليظن بي ما شاء‏).‏
أخبرتني كيف انني يجب أن أخجل من نفسي لسوء ظني في رب أحياني وأنجاني وطفلي من الموت ومن عشرة زوج ظالم‏,‏ هل تعلمين زوجي هذا كان يقول أنا طالب من ربنا يخدني وما يمرضنيش‏,‏ أنا مستحملش أكون عيان‏..‏ قبل أن يتركني مباشرة اكتشف اصابته بفيروس كبدي وأنا واثقة في عدل الله وكيف أنه سيلبي دعوته ويريني فيه عجائب قدرته‏.‏
كنت أسأل نفسي‏:‏ هل يصل الظلم بصاحبه لدرجة العمي هكذا‏!‏ ووجدت أنه يفعل ما يذهل أي شخص عاقل أنه من الظلم يا عزيزتي أن يسيء المرء الظن في قدره الي هذا الحد‏,‏ وأنت التي حباك الله بنعمة التفوق وكليات القمة والعلم والصحة‏,‏ فكيف نسيت في زحمة هذا كله أن لك ربا كريما سيكمل عليك نعمته ويصرف عنك كل سوء‏.‏
توقفت عن سوء الظن بالله وتفاءلت كثيرا ورددت لنفسي‏,‏ كل الكلمات الايجابية وبكيت لله وتوسلت ليشفيني وذهبت أطرق الأبواب لأول مرة بحثا عن الشفاء‏,‏ وجربت كل ما وصل لعلمي أنه ينفع في حالتي‏,‏ ورزقني الله بوظيفة عبر الأنترنت يطيقها جهدي واستعين بها علي تربية ولدي‏,‏ وأنا التي كنت عالة علي من حولي‏,‏ وتغيرت حالتي الصحية بشكل معاكس‏,‏ مع تغير حالتي النفسية‏,‏ جربت نعمة العافية وأكمل الله منه علي فظهرت تحاليل ولدي الذي كان يعيرني أبوه به ويقول إنه سيأتي مريضا كأمه وهو ولله الحمد ليس كذلك والآن ولله كل الحمد والثناء وصلت لمرحلة الاستقرار‏,‏ ولم تمنعني تجربتي السيئة مع والد طفلي ومعايرته لي بالمرض من التفكير في الزواج‏,‏ وأقابل الآن من يتقدم لي بلا أي مشكلة وسأكون صريحة مع الشخص المناسب وأخبره بحقيقة وضعي كاملة وظني في الله انه سيرسل هذا الذي يكون رجلا وصديقا وأبا لطفلي وسأنجب مرة أخري‏,‏ فكما قال لي طبيبي في آخر مرة ذهبت لمراجعته أنت عرفت طريقك ومبقتيش محتاجاني روحي عيشي يا بنتي أنت زي الفل‏..‏ وخرجت من عنده وأنا أنظر للسماء وأبكي كم أنت كريم يا رب‏!!.‏
صدقيني يا فتاة عيشي حياتك بأقصي قوتك وتحدثي مع الله كل لحظة بمخاوفك وتوسلي له ليصرفها واستعيني علي نفسك بأقصي طاقة تفاؤل‏,‏ وتوقفي عن الانتظار فهو مر جدا ولا تنتظري من الله سوي الأفضل وتذكري قول النبي‏(‏ لا يموتن أحدكم الا وهو يحسن الظن بالله‏)‏ فلو كنا حتي نوشك علي مفارقة الحياة لا يمنعنا هذا من انتظار رحمته في كل لحظة‏,‏ لأنه أهل لها ولا أنسي وجه أخي المبتسم الذي عاش قويا وناجحا وصامدا يحارب مرضه بكل بسالة ويعيش حياته بلا لحظة تذمر واحدة‏,‏ وطيفه الذي كان شبحا يلازمني بكل رعب الدنيا في مرضي صار الآن ملاكي الحارس ورفيقي الذي يذكرني كم أنني محظوظة‏..‏ لأنني مازلت علي قيد الحياة‏,‏ ومادمت كذلك سأحيا بالأمل كما كان هو يوما رحمه الله‏,‏ وأعانك علي حسن الظن به‏.‏

Three Column Modification courtesy of The Blogger Guide